محمد بن جعفر الكتاني

258

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وكان له أتباع ، وتلامذة وأشياع ؛ من أجلهم : سيدي قاسم ابن رحمون الزرهوني ؛ دفين درب مينة من حومة النجارين ، وكانوا يحكون عنه كرامات ، وخوارق للعادة وتصريفات ، ويحدثون عنه بعجائب ، وغرائب ومناقب ، وكان مأذونا له في قبول الخلق وتربيتهم ، حسن التربية ، زاهدا في الدنيا ، معرضا عن أهلها ، صادق الحال ، سالكا في الظاهر ، مجذوبا في الباطن ، يحضر السماع ويرقص عنده ، ويكثر من الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ حتى امتزجت بدمه ولحمه ، وكان يعتريه حال ، فيسمع كل شعرة منه تقول : « اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم » ، وكان من الذين إذا رأوا ذكر اللّه عزّ وجل لرؤيتهم . وله أخبار مشهورة ، وكرامات معلومة مذكورة ؛ منها : أن السلطان مولانا إسماعيل كان قد سخط على أهل الزوايا وشدد عليهم ، وبعث من وراء مولاي التهامي الوازاني ، وذلك في حياة والده مولاي محمد ، فجاء من وازان ودخل جامع الخضراء من مكناس ، والناس خائفون من أجل ذلك ، فبينما السلطان المذكور نائما نهارا واستيقظ ونزل الغداء بين يديه ، وهو في أثناء الأكل ؛ إذ دخل عليه صاحب الترجمة لقبته وبيده شاقور مطحونة ، ووقف عليه وقال له : « واللّه لو تغيرت في ولد سيدي شعرة واحدة ؛ لشققتك بهذه الشاقور ! » ، فقال له السلطان : « ومن أنت ؟ ! » ، قال : « الخياط » . قال : « ومن ولد سيدك ؟ » ، قال : « مولاي التهامي ؛ ها هو ذا بجامع الخضراء ! » . . . وانصرف . فقام السلطان للبوابين ؛ فقالوا : « لم يدخل أحد قط » . فسأل من في الدار ؛ فقالوا : « ما رأينا أحدا » . فخرج مغضبا وأمر بفرسه وركب ، فجعل الفرس يرجع وراء ؛ وإذا ببهموت عظيم ؛ فنزل عنه وقال : « قولوا للمرابط مولاي التهامي يمشي لداره ؛ اللّه يهنيه بالعافية ! ! » . ثم رجع لداره ، وبعث وراء عبد اللّه الروسي وسأله : « أعندكم بفاس سيد اسمه الخياط ؟ » ، فقال له : « نعم ؛ هو بالزربطانة مدفون ، يقال له : سيدي الخياط ذو الوادي » ، فأمره أن يبعث لولده أبي علي - وكان حاكما بفاس - ويأمره أن يبني عليه قبة جيدة ، فجاء الأمر ، وأقام القائد أبو علي البناء على سيدي الخياط [ 231 ] ذي الوادي ؛ فكان عند ذلك صاحب الترجمة يجيء عند البنائين في كل يوم ويقول لهم : « الدق للترابة ، والشنعة للأجواد ، لا خياط إلا خياط الواد ! » ، حتى انتهت القبة بالبناء ، ولم يتفطن أحد لقولته . ذكر هذه الحكاية في " سلوك الطريق الوارية " . ومن كراماته رضي اللّه عنه : أنه كان يطعم الجم الغفير من الطعام اليسير ، له في ذلك قضايا عديدة . وبالجملة ؛ فقد كان من أكابر الأولياء ، وخواص أهل اللّه الأصفياء ، والناس مطبقون على ولايته وخصوصيته . وفي " النشر " في ترجمة العلامة القاضي أبي عبد اللّه محمد بن أحمد التمّاق الأندلسي الغرناطي الفاسي أنه : « رأى مرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم مناما وهو يقول له : عليك بالخياط الرقعي ؛ فإنه يخيط الثياب الممزقة » .